الشريف المرتضى
175
الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )
ولهذا لا يجوز أن تحلّ النّملة من القدر ما يحلّ الفيل ، وإنّما نجيز ذلك بأن يزاد في بنيتها ، ويعظم من خلقتها . فالجنّيّ إذا تمكّن من حمل جبل أو مدينة ، فلا بدّ أن تكثف بنيته ، وتكبر جثّته . وإذا حصل كذلك لم يخف على العيون السّليمة رؤيته ، ووجب أن يكون مشاهدا كما نشاهد سائر الأجسام الكثيفة . وإذا اقتلع مدّع للنّبوّة مدينة ، أو ادّعى أنّه سينقلها « 1 » ، أو ينتقل من مكان إلى غيره ، ووقع ما ادّعاه من غير أن نشاهد جسما كثيفا تولّاه أو أعان عليه ، بطل أن يكون من فعل الجنّ . ولا فرق في اعتبار هذه الحال بين الجنّ والبشر ؛ لأنّ أحدنا لو ادّعى الإعجاز بحمل جسم ثقيل لا يقدر على النّهوض بمثله أحد منّا متفرّدا ، لم يكن بدّ في الاعتبار عليه من أن يمنعه من الاستعانة بغيره ، ويزيل كلّ حيلة « 2 » يمكن أن يستعان معها بالغير على وجه لا يظهر . والجنّ في هذا الباب كالإنس ؛ لأنّا إذا كنّا قد بيّنا أنّه لا يتمكّن من هذه الأفعال إلّا بأن يكون كثيفا مدركا ، فالطريق الّذي به نعلم أنّ الاستعانة لم تقع بإنسيّ ، به نعلم أنّها لم تقع بجنّيّ . فأمّا إبدال الميّت بحيّ وإحضار جسم من بعد ، فليس يجوز أن يتولّاه أيضا إلّا من له قدر تحتاج إلى بنية كثيفة تقع « 3 » الرؤية عليها « 4 » .
--> ( 1 ) في الأصل : أنّها سينقله ، والصحيح ما أثبتناه . ( 2 ) في الأصل : حمله ، وما أثبتناه من الذخيرة ، ويقتضيه السياق . ( 3 ) في الأصل : تقطع ، والظاهر ما أثبتناه مقاربا لما في الذخيرة . ( 4 ) قال المصنّف رحمه اللّه في الذخيرة / 391 : « قلنا : معلوم أنّ أجسام الملائكة والجنّ لطيفة